تكتب جانين دي جيوفاني، المراسلة الحربية والمديرة التنفيذية لمشروع “ذا ريكونينج بروجكت”، عن صديقتها الراحلة ماري كولفن، الصحافية التي دفعت حياتها ثمنًا لنقل حقيقة الحرب في سوريا. نشر الجارديان هذا المقال مستعيدًا ذكرى مقتل كولفن، ومسلطًا الضوء على تصاعد استهداف الصحافيين في مناطق النزاع.
قُتلت ماري كولفن في حمص في 22 فبراير 2012 أثناء تغطيتها القصف العنيف لقوات بشار الأسد. لم تكن ضحية قصف عشوائي، بل استهدفتها القوات السورية عمدًا، وفق حكم قضائي أمريكي لاحق. مثّلت كولفن نموذجًا للصحافي الذي يركز على معاناة المدنيين، وقد فقدت عينًا في سريلانكا قبل أن تفقد حياتها في سوريا.
من شهود على الحرب إلى أهداف مباشرة
عملت دي جيوفاني في مناطق النزاع نفسها، من حمص إلى داريا وحلب، وكانت تؤمن بأن الشهادة الميدانية قادرة على تغيير السياسات. أدركت هي وزميلتها أن المخاطرة تستحق العناء إذا كان جمع الأدلة قد يُحدث فرقًا. غير أن استهداف كولفن كشف تحولًا خطيرًا: لم يعد الصحافيون مراقبين يسجلون الوقائع، بل أصبحوا أهدافًا بحد ذاتهم.
ترى الكاتبة أن مشهد الصحافة تغيّر جذريًا خلال أربعة عشر عامًا. لم يعد التحدي فقط في تقلص غرف الأخبار أو صعود الذكاء الاصطناعي، بل في التلاعب بالحقيقة وطمسها. تحظر إسرائيل دخول الصحافيين الدوليين إلى غزة، ويدفع الصحافيون الفلسطينيون ثمنًا باهظًا؛ إذ قُتل ما لا يقل عن 248 منهم وفق تقارير، وشكلوا أكثر من نصف الصحافيين الذين فقدوا حياتهم عالميًا عام 2025.
الإفلات من العقاب وصناعة الرواية
تؤكد منظمة “مراسلون بلا حدود” أن عام 2025 كان الأكثر دموية للصحافيين، مشيرة إلى أن الصحافيين لا يموتون صدفة بل يُقتلون في سياقات يسودها الإفلات من العقاب. في أوكرانيا، تستهدف روسيا الصحافيين. في السودان، يصعب على المراسلين المحترفين العمل. في المكسيك، تطارد العصابات الإجرامية الصحافيين.
تصف دي جيوفاني كيف تنشط خلايا دعائية عقب مقتل صحافي لتشويه سمعته وربطه بجهات مسلحة، في محاولة لتبرير استهدافه. تؤكد أن الدعاية تزدهر عندما يُمنع الوصول المستقل إلى ساحات القتال، فتملأ الروايات الرسمية الفراغ.
تشير إلى أمثلة على إنكار جرائم موثقة، مثل نفي وقوع مجازر في بوتشا أو حصار ماريوبول، رغم التحقيقات المستندة إلى تحليل الصوت والصور الفضائية والأدلة الجنائية الرقمية. ترى أن الأدلة لا تكذب، لكن غياب الشهود يتيح للروايات الزائفة أن تنتشر.
الوصول قوة.. والشهادة مسؤولية
تؤكد الكاتبة أن “الوصول هو القوة”. عندما يُحرم الصحفي من دخول منطقة حرب، تتحكم الحكومات والجماعات المسلحة في السردية. صحيح أن أدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر – من صور الأقمار الصناعية إلى تحليل البيانات – تقدم أدلة مهمة، لكنها لا تعوض الاستخبارات البشرية المباشرة.
تدرب دي جيوفاني عبر مشروعها صحافيين محليين على جمع شهادات قانونية من الناجين من جرائم الحرب، لاستخدامها لاحقًا في المحاكم. توظف بعض هذه الشهادات كذلك لمواجهة حملات التضليل. ترى أن غياب الشهود المستقلين يفتح الباب أمام الاستقطاب، فينضم الجمهور إلى “قبائل” سياسية بدل البحث عن الحقيقة.
تستعيد الكاتبة مثال كوسوفو عام 1999، حيث أثرت التغطية الصحافية في قرارات سياسية كبرى. اليوم، حين يُمنع الوصول، يملأ المدونون ونظريات المؤامرة الفراغ. وعندما يغيب الشهود، تختفي المساءلة.
تختم دي جيوفاني بالتأكيد أن مقتل ماري كولفن يذكّر الجميع بضرورة حماية الحقيقة. عندما تُغلق الحدود، تزدهر الدعاية، وتُصنع روايات ملتوية. وعندما يغيب الشهود، قد تفرض الأكاذيب نفسها كواقع.
www.theguardian.com/commentisfree/2026/feb/26/friend-killed-reporting-marie-colvin

